للعبادة في الاصطلاح الشرعي عدّة تعريفات كلها متقاربة في المعنى؛ منها تعريف الشيخ ابن تيمية الذي قال إنّ العبادة هي اسم يُجمَع فيه كلّ ما يحبه الله -عز وجل- ويرضاه من الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة، وهكذا تدخل فيها الصلاة، والصيام، والصدق، والأمانة، والجهاد، والذِّكر، والصبر، وكل ما حثّ عليه الشرع من قول أو فعل، والعبودية بهذا المعنى لا تتحقق إلا باجتماع أمرين رئيسين؛ هما كمال المحبة لله تعالى، وكمال الذل والخضوع له، ويظهر من معنى العبادة أنها على نوعين؛ فنوعها الأول ما كان نفعه ذاتياً، كالصلاة والصيام، وقسم منها ما كان نفعه متعدّياً إلى الآخرين كالزكاة مثلاً، ويظهر فيما ورد من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّ العبادات متعدية النفع أكبر أجراً من العبادات ذاتية النفع، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- عن عبادة كفالة اليتيم مثلاً: (أنا وَكافِلُ اليتيمِ في الجنَّةِ هَكذا، وقالَ بإصبعيهِ السَّبَّابةِ والوُسطَى).
وللعبادة تقسيم آخر تبعاً لمسألة الخصوع الاختياري أو الإجباري الاضطراريّ لله عز وجل، فإمّا أن تكون العبادة كونيةً، وإمّا شرعيةً، والعبادة الكونية هي الخضوع لأوامر الله -عز وجل- الكونية، وهي تشمل الخلائق والناس جميعهم؛ فالمؤمن والكافر كلاهما خاضعان لله -تعالى- في أوامره الكونية، ويظهر هذا المعنى في قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً)، وأمّا العبادة الشرعية فهي خضوع الإنسان لأوامر الله -تعالى- الشرعية، وهذه العبادة لا تكون إلا من المؤمن الذي يطيع الله ويتّبع ما أمر به الرُّسل والأنبياء، وفي هذه قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً)، وفيما بين العبادتين من أجر وثوابٍ، فإنّ العبادة الكونية لا يُحمَد عليها فاعلها؛ فهي ليست من فعله واختياره، أمّا العبادة الشرعية فإنّ فاعلها يُحمَد عليها.