رواية جين ايير - شارولت برونتي
في سنة 1847، اهتمت الأوساط الأدبية في "إنجلترا"، بكتاب ظهر لمؤلف معمور،، مجهول، خرق ما جرى عليه الأدباء من تقاليد، وتجاوز ما كانوا يتقيدون به من عرف في تأليف القصص الغرامية.. وإن هي إلا أيام حتى أصبح الكتاب حديث الصالونات والمجتمعات، كان قد طبع مرة ثانية، فمرة ثالثة!.. وأدرك الرأي العام في تلك الأثناء أن المؤلف الجريء لم يكن (رجلاً) على الإطلاق، وإنما كان امرأة؟ بل عذراء، في التاسعة والعشرين من عملاها، نشأت في أحضان أب كان من رجال الدين "البيوريتان"، وكان يحرص على أن يربي أولاده على الزهد، والتقشف، والتقوى، واعتزال الناس!
ومن وراء الاسم المستعار الذي انتحلته المؤلفة في الطبعة الأولى من كتابها -وهو اسم "كورربيل"- بزغ اسم "شارلوت برونتي" ليتألق ويظل براقاً على مر الزمن.. وعرف الناس أنها إحدى أخوات ثلاث، نشأن في عزلة موحشة، وليس لهن من أنيس سوى القلم والورق.. ولم يجدن ما يملأن به فراغ حياتهن مند الصغر، سوى الأدب ومحاولة قرض الشعر، وتأليف القصص التي كن ينتزعنها من صميم حياتهن، ومن أحلام اليقظة التي كن يعوضن بها ما حرمن منه في حياتهن الواقعية!َ. واستطاعت صغرى الأخوات الثلاث -وهي "آن برونتي"- أن تخلد اسمها بقصة: "آجنس جراي".. وكانت وسطاهن أكثر توفيقاً بقصتها: "مرتفعات وذرنج"، وإن كان صيت هذا التوفيق وأتاها متأخراً، بعد أن ماتت.. فقد أعيد طبع القصة مراراً، واقتبس موضوعها لأفلام سينمائية أمريكية، وإنجليزية، ومصرية!.. بيد أن الفتاتين لم تصيبا من المجد والشهرة ما أصابته كبراهن "شارولوت برونتي"، عندما وضعت الرواية التي بين أيدينا اليوم "جين إير". على أن "شارولت" فاقت أختيها في ناحية أخرى أيضاً.. ف يتحمل العناء، والآلام، والأسى في هذه الحياة!.. لقد عاشت أربعين عاماً في ظلام الحزن، والشجن، والحرمان العاطفي.. وكان الحب الوحيد الذي خفق به قلبها حباً مقضياً عليه بالفشل من بدايته وأخلدت بعد يأسها منه إلى العزلة، وليس من أنيس لها -بعد موت أختيها وأخيها- سوى قلمها.. وفي نهاية الأربعين عاماً عاشتها لاحت طلائع فجر الفرح في حياتها، ولكن القدر لم يشأ أن يمهلها حتى يطلع الفجر! , لقد كانت حياة "شارلوت" مأساة، لا تقل روعة عن مأساة "جين" الفتاة التي ولدت وعاشت في عالم قاسي... وقد تستطيع أن تلمس أوجه شبه بين الاثنتين، عندما تقرأ قصتيهما.